ابن عربي

202

فصوص الحكم

قولي يكون حلالًا ، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأن الأمر خلق جديد ولا تكرار . فلهذا نبهناك . فكنَّى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع : فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإن أم الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوَّن فيها وتغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنه ما تغذى إلا بما ( 1 ) لو لم يَتَغَذَّ به ولم ( 2 ) يَخْرُج عنها ذلك الدم لأهلكها وأمرضها . فللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها ولا يخرج ولا يتغذى به جنينها . والمرضعة ليست كذلك ، فإنها قصدت برضاعته حياته وإبقائه . فجعل الله ذلك لموسى في أم ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقر ( 3 ) عينها أيضاً بتربيته وتشاهد انتشاءه ( 4 ) في حجرها ، « ولا تَحْزَنَ » . ونجاه الله من غم التابوت ، فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه الله من العلم الإلهي وإن لم يخرج عنها ، وفتنه فتوناً أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه الله ( 5 ) به . فأول ما أبلاه الله به ( 6 ) قتله القبطي بما ألهمه الله وو فقه له في سِرِّه ( 7 ) وإن لم يعلم بذلك ، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثاً بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك ، لأن النبي معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يُنَبَّأ أي يخبر بذلك . ولهذا أراه الخضر قتل الغلام فأنكر ( 8 ) عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطي فقال له الخضر « ما فَعَلْتُه عَنْ أَمْرِي » ينبهه ( 9 ) على مرتبته قبل أن ينبأ أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر بذلك . وأراه أيضاً خرق السفينة التي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب . جعل له ذلك

--> ( 1 ) ب : بما أنه ( 2 ) ا : ولو لم ( 3 ) ب : ليقر ( 4 ) ا : انتشاه ( 5 ) ن : ساقطة ( 6 ) ا : ساقطة ( 7 ) ن : أمره ( 8 ) ب : فأنكر موسى ( 9 ) ب : نبهه .